المقريزي
210
إمتاع الأسماع
البراق ، فركبته . . الحديث . وزعم من قال : إن الإسراء إلى بيت المقدس ، كان يقظة بجسده صلى الله عليه وسلم ، وأن الإسراء إلى السماوات كان مناما بروحه ، [ عليه الصلاة والسلام ] ، أن المشركين إنما استبعدوا ، وأنكروا ، وشنعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه [ عليه الصلاة والسلام ] أتى بيت المقدس ورجع من ليلته ، ولو كان صعوده صلى الله عليه وسلم إلى السماوات منضما إلى ذلك ، لكان الاستبعاد أكبر ، والشناعة به أتم ، [ والله سبحانه وتعالى أعلم ] ، فحيث لم يذكروا ذلك البتة ، علم أن النبي عليه السلام ، إنما ادعى أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس فحسب ، والعروج به إلى السماوات كان مناما . وحديث شريك لا ينافي ذلك ، لأنه ليس فيه ذكر [ الإسراء ] إلى بيت المقدس ، إنما فيه بيان العروج إلى السماء في نومه ، وأيضا فإن الله تعالى تمدح بقوله : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) ، فلم يذكر إلا الانتهاء به إلى المسجد الأقصى ، ولو كان انتهى به إلى أكثر من ذلك لذكره ، فإنه كان أعظم للآية ، وأبلغ في المدح . وأجيب بأن الله تعالى قال : ( ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى ) ، ثم قال ( ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ، فأثبت - سبحانه - أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في الصورة التي خلق عليها بعين بصره ، وهكذا كان كل شئ رآه في تلك الليلة ، إنما هو بعين بصره . وأما اقتصار شناعة أهل الكفر على ذكرهم مسراه إلى بيت المقدس دون السماوات ، [ فلأنهم ] أرادوا تكذيبه عليه السلام بما شاهده الناس وعلموه ، دون ما غاب عنهم ، مما لم يعلموا كنهه ، ولم يذكروا أنه صعد السماوات ، لأنه عندهم معلوم كذبه فيه ، فطلبوا منه نعت بيت المقدس ، لأنهم كانوا